ما هي أطول كلمة في القرآن الكريم؟
يتميّز القرآن الكريم بإعجازه البياني واللغوي الفريد، الذي لا يزال العلماء واللغويون يقفون أمامه دهشةً وإجلالًا. ومن بين مظاهر هذا الإعجاز، تركيبه اللغوي الدقيق واختيار كلماته بما يتناسب مع المعنى والسياق. ومن الأسئلة التي يطرحها المهتمون باللغة والقرآن: ما هي أطول كلمة في القرآن الكريم؟
أطول كلمة في القرآن الكريم
اتفق علماء اللغة والقراءات على أن أطول كلمة في القرآن الكريم هي:
وتكتب هكذا بدون فصل بين الضمائر. وقد وردت هذه الكلمة في سورة الحجر، الآية رقم 22، ضمن قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾
هذه الكلمة وحدها تحمل تركيبًا معقدًا يجمع عدة ضمائر ومعانٍ في لفظ واحد.
تفكيك الكلمة لغويًا
تتكون كلمة فأسقيناكموه من خمسة أجزاء لغوية متّصلة:
فَـ: حرف استئناف وتعقيب، يدل على التتابع السريع للأحداث.
أَسْقَيْنَا: فعل ماضٍ مبني للمعلوم، مع ضمير المتكلمين (نا) فاعلًا، أي: نحن.
كُـم: ضمير مفعول به أول يعود على المخاطبين (البشر).
و: ضمير مفعول به ثانٍ يعود على الماء.
هُ: ضمير الغائب تأكيد أو تخصيص، يعود أيضًا على الماء.
إذن الكلمة تعني: نحن أنزلنا الماء من السماء ثم أسقيناكم ذلك الماء بأنفسنا.
إعجاز الكلمة من الناحية البلاغية
1. تركيب مكثف في لفظ واحد
هذه الكلمة تحمل فعلًا وحرفًا وضميرين، جمعتها العرب في كلمة واحدة دون حاجة إلى تفصيل، مما يدل على غاية الإيجاز المعجز.
2. إضافة القوة في المعنى
وجود “نا” للدلالة على المتكلم العظيم الله، وضمير المخاطبين “كم”، وضمير “الهاء” للماء، كل ذلك يعطي هيبة في التعبير عن قدرة الله في الرزق.
3. سياق الخلق والرزق
جاءت الكلمة في آية تتحدث عن تدبير الله للكون، إنزال المطر، إحياء الأرض، رزق الإنسان، وحفظ النعم، وهنا يظهر إعجاز القدرة الإلهية مختصرًا في مفردة واحدة.
لماذا جاء الفعل بصيغة (أَسْقَيْنَا) وليس (سَقَيْنَا)؟
اللغة العربية تفرق بين السقي و الإسقاء:
سَقَى: أي أعطى الماء مباشرة.
أَسْقَى: أي وفّر الماء وجعل الوصول إليه ممكنًا.
في الآية، لم يعط الله البشر الماء فقط، بل هيّأ لهم الأسباب: نزول المطر، الأنهار، البحيرات، العيون، فهو تدبير كامل للماء من مصدره إلى وصوله للإنسان.
لماذا اعتُبرت أطول كلمة؟
ليست الكلمة طويلة فقط بعدد حروفها (11 حرفًا)، بل بطبيعة تركيبها فصيحًا فريدًا لا تجده إلا في لغة القرآن، حيث جمع الله فيها:
حرفًا
فعلًا
فاعلًا
مفعولين
في كلمة واحدة بدون إخلال بالبلاغة أو القواعد.
قيمة هذه الكلمة في التدبر
عند تدبر كلمة واحدة مثل فأسقيناكموه يدرك المؤمن أن الماء الذي نشربه ليس مجرد نعمة عابرة، بل هبة عظيمة رتّب الله أسبابها بدقةٍ بالغة. فهي دعوة للتفكر في خلق الله وشكره على أبسط النعم وأعظمها.
إن أطول كلمة في القرآن الكريم، فأسقيناكموه، ليست مجرد تركيب لغوي فريد، بل نموذج من نماذج الإعجاز القرآني الذي يجمع بين بلاغة اللفظ وعمق المعنى ودقة التعبير. وفي كل حرفٍ فيها نجد آيةً تذكّر الإنسان بعظمة ربه، الذي خلق فسوى، وقدّر فهدى، وأنعم فأسقى.
فسبحان من أنزل هذا الكتاب المعجز، كلامًا لا يشبه كلام البشر، وحقًا لا يزول أثره مهما طال الزمن.

التعليقات